حوار مع المعتقلين السياسيين بمراكش -مجموعة زهرة بودكور-الجزء الثاني
الثلثاء 25 آب (أغسطس) 2009 بقلم voixliberte
على طول ثمانية أشهر تم التحقيق معكم ، هل يمكن أن تطلعوا القراء و الرأي العام على حيثيات ذلك التحقيق ؟
نحن نعتبر أن القانون ليس إلا عنف منظم في يد الطبقات السائدة ، تمارس بواسطته سلطتها على الطبقات المستغلة ( بفتح الغين ) ، و المحاكم باعتبارها تسهر على تطبيق ذلك القانون ، فهذا يعني أنها تسهر على حماية واضعيه . و من تم فإننا كنا على علم مسبق بنتائج ذلك التحقيق بما هي نسخ حرفي لمحاضر الشرطة القضائية في غياب أي تعليل لذلك ، و حتى تتكون لدى الرأي العام المحلي و الدولي فكرة حول حيثيات هذا التحقيق ، سنسلط الضوء على أهم ما ميزه و كيف كان تماطل قاضي التحقيق ؟ فمباشرة بعد قضائنا أربعة أيام في ضيافة رجال مخفر جامع الفناء ، الذين أكرمونا بمختلف أشكال التعذيب ، سيتم نقلنا إلى محكمة الاستئناف بمراكش حوالي الساعة التاسعة صباحا ، و كانت الجروح و الكسور و الكدمات التي أصبنا بها تظهر عن الوحشية التي عوملنا بها في المخفر ، كان علينا الانتظار أكثر من 16 ساعة دون شرب أو أكل ، كاستمرار لما لاقيناه داخل الكوميسارية ، حتى إحالتنا على قاضي “التلفيق” الذي سيشرع في التحقيق التمهيدي دون النظر إلى حالتنا الصحية التي كانت جد متدهورة جراء التعذيب الهمجي ، أو القيام بخبرة طبية و لو أن آثاره بارزة على كل أنحاء أجسادنا ، حتى ثيابنا التي كانت ممزقة و ملطخة بالدماء و التراب تنم عن الوحشية التي عاملونا بها . بعد ذلك حملنا إلى السجن حوالي الساعة الخامسة و النصف صباحا ، وجدنا الحراس ليستقبلونا بالعصي و الهراوات و يتوعدونا و بعد قضاء مدة داخل السجن سيقوم قاضي التحقيق خلالها بمجموعة من الجلسات معنا ،!!بان يجعلوا منا مجرمين دافعنا فيها عن أنفسنا و نفينا كل التهم المطبوخة في محاضر الشرطة التي لم نقرأها و لم نوقع عليها رغم التعذيب . و بعد دخولنا في الإضراب المفتوح عن الطعام ،الذي ناهز 46 يوما سيؤجل قاضي التحقيق جلسات الاستماع و المواجهة مع من يسمونهم بالضحايا حتى أصبح وضعنا الصحي جد متدهور ، و ذلك بغية استنزافنا و إضعافنا حتى لا نقدر على الدفاع عن أنفسنا لكن ذلك لم يتأتى له فقد تمسكنا ببراءتنا و أكدنا زيف تلك التهم و أننا اعتقلنا على خلفية انتمائنا الفكري و السياسي و نضالنا إلى جانب الجماهير الشعبية و الطلابية . بل أكثر من هذا فمن يسمونهم “بالضحايا” قد فشلوا في حفظ أسماء و صور المناضلين الذين لفقت لهم تهمة محاولة القتل من طرف الشرطة . هكذا و بعد عجز قاضي “التلفيق” عن إثبات أي تهمة ضدنا سيعمل على إطالة مدة التحقيق حتى ناهزت ثمانية أشهر و ذلك من أجل النيل من عزيمتنا و ضمان تمرير محاكمتنا دون إثارة أية ضجة إعلامية و سياسية خصوصا بعد انكشاف زيف الدعاية المغرضة التي نهجها النظام القائم ضد حركتنا و تبرير قضية اعتقالنا . هكذا اتضحت بالملموس الأدوار الشكلية التي يلعبها قاضي التحقيق من خلال نسخه لمحاضر الضابطة القضائية المطبوخة ، شأنه في ذلك شأن جلسات المحاكمة التي لن تكون أحسن حال من جلسات قاضي التحقيق .
لقد مرت مدة تناهز سنة و شهر على اعتقالكم و لم تتم محاكمتكم بعد ، ما تقييمكم لهذا الوضع ؟
قلنا منذ البداية بان النظام القائم كان يسعى من وراء اعتقالنا إلى توجيه ضربة قوية للحركة ، حتى يتمكن من تمرير ما يسمى ب “الميثاق الوطني للتربية و التكوين” و بما أن لا الاعتقال و لا كافة أشكال القمع قادرة على تكسير حركتنا بقدر ما تدفعها إلى الأمام ، فقد شهدت الحركة الطلابية قفزة نوعية تمثلت في مجموع المعارك النضالية سواء التي خاضتها ضد الميثاق الوطني للتربية و التكوين ، أو التضامن مع فلسطين و كافة الشعوب المناضلة ( طلبة اليونان ...) و تجسيدها لشعار المؤتمر 15 لاوطم “لكل معركة جماهيرية صداها في الجامعة” من خلال تبني نضالات جماهير شعبنا بسيدي ايفني و غيرها ، و كذا رفع مطلب إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ليتصدر قائمة مطالب الحركة ، مما فتح أمام الحركة آفاق رحبة و أوسع للنضال ، و طرح مجموعة من القضايا و المسائل في جدول أعمالها من بينها مسالة الوحدة ، و بالموازاة مع ذلك تتشكل مجموعة من حركات التضامن مع المعتقلين السياسيين أهمها حركة العائلات ، الهيئة الوطنية للتضامن مع المعتقلين السياسيين ، اللجان الشبيبية ... إضافة إلى إضرابنا البطولي عن الطعام الذي وصل 46 يوما ، مما جعل النظام في ورطة خصوصا بعد الصدى المحلي و الدولي الكبير الذي لاقاه ملف اعتقالنا لذا نجده – النظام –يتماطل إلى حدود الساعة في محاكمتنا و ذلك بغرض استنزاف عائلاتنا و كافة الحركات الملتفة حول ملف اعتقالنا ماديا و معنويا ، و كذا زرع بذور اليأس في صفوفنا نحن . لكن هذه المحاولات لن تزيدنا نحن و عائلاتنا و كافة مناضلي الشعب المغربي الشرفاء إلا إصرارا على مواصلة النضال حتى النصر .
لقد خضتم إضرابا عن الطعام وصل إلى 46 يوما ، لماذا تم توقيف ذلك الإضراب و ما هي الخلاصات الأساسية التي ميزت معركتكم ؟
بالفعل فقد خضنا إضرابا عن الطعام ناهز 46 يوما كما سبقت الإشارة ، و هذا الإضراب البطولي ليس بمعزل عن السياق العام لمعركتنا المفتوحة مع النظام ، فأكيد أننا كمناضلين ثوريين لم نغفل في أي خطوة نضالية قمنا بها داخل السجن ، سواء أكانت إضرابات محدودة عن الطعام أو الامتناع عن الدخول إلى العنابر أو تخليد محطات نضالية ..الخ القضية التي اعتقلنا من أجلها و مطالبنا العادلة و المشروعة سواء في العلاقة مع الجماهير الشعبية أو الجماهير الطلابية . و بالتالي يأتي ذلك الإضراب كاستمرار لمعركتنا خارج السجن ، و كشكل من أشكال فضح ممارسات النظام القائم من حيث تعاطيه سواء مع المعتقلين السياسيين أو مع معتقلي الحق العام . فقد جاء تمسكنا بحقنا في التعليم و كإدانة لحملات القمع التي يشنها النظام القائم على الجماهير الشعبية بسيدي ايفني المرفوقة بالاعتقالات الواسعة التي طالت العديد من مناضلي الشعب المغربي و المتابعة في حق البعض ، و كذا القمع الهمجي الذي تتعرض له عائلاتنا و الحركات الملتفة حول ملف اعتقالنا أثناء قيامها بأي نشاط نضالي تضامني معنا ، و لم نغفل بالمطلق الأولوية التي تصدرها مطلب الحريات السياسية و النقابية ببلادنا ، هذا إذا ما استثنينا ما لجأت إليه إدارة السجن بعد دخولنا ، و التي ستزيد من تعميق معاناتنا ، و تمثل ذلك في استقبالنا من الوهلة الأولى ، بالهراوات و القضبان الحديدية ، و ستعمل أيضا على تشتيتنا على أحياء و عنابر السجن و منعنا من ملاقاة بعضنا البعض ، بالإضافة إلى المضايقات اليومية التي نتلقاها من طرف الحراس و بعض سجناء الحق العام المحرضون من طرف الإدارة ، و لخير دليل على ذلك ما تعرض له الرفيق علاء الدر بالي من تعذيب على يد مجموعة من الحراس و ما نتعرض له كلما طالبنا بحق من حقوقنا ، إذ سنمنع من ولوج المصحة عندما كنا نحمل جروحا و إصابات و كسور جراء التعذيب في مخفر جامع الفناء ، و كذا حرماننا من الخزانة أو الاستفسار عن وضعنا الدراسي . و لان لكل خطوة نضالية أهدافها و انه ليس هناك أسلوب وحيد جامد للنضال بل يمكن إبداع أشكال نضالية أخرى جديدة ، فقد كان من الأكيد توقيف ذلك الإضراب بعد أن بلغ أهداف جد كبيرة كان من بينها تكسير الطوق الإعلامي حول ملف اعتقالنا و نضالات الحركة الطلابية و المزيد من فضح شعارات النظام القائم حول مجموعة من الترهات التي يروج لها من قبيل دولة الحق و القانون ، مغرب الحرية و الديمقراطية ، العهد الجديد ... و كذا التشهير بالجرائم التي يرتكبها في حق الشعب المغربي هذا إذا ما كشفنا عن الدور الذي شغله في طرح مسالة الحريات السياسية على واجهة الصراع ، و تكثيف نضالات كل الديمقراطيين حولها ، إضافة إلى الدور الفعال الذي لعبه في إعادة الاعتبار لليسار بعد سيادة الاعتقاد بان القوى الظلامية مسيطرة على الجماهير الشعبية ، و لقد استطاع أيضا أن يطرح مجموعة من القضايا للصراع الإيديولوجي الايجابي داخل الحركة الشيوعية المغربية ...
منذ اعتقالكم برزت حركات تضامن من اجل إطلاق سراحكم على رأسها حركة عائلاتكم . كيف تفسرون هذه السرعة في انبثاق هذه الحركة ؟
إن تفسير سرعة انبثاق حركة عائلاتنا نابع بالأساس من ضرورة هذه الحركة في ظل الهجوم على الحريات السياسية و النقابية ، داخل الصراع الذي تدور رحاه بين الجماهير الشعبية و النظام القائم ، فالقمع الذي يشنه هذا الأخير على الأولى – الجماهير – في نضالاتها ضد مخططاته الطبقية و كذا الغلاء المهول في الأسعار و الاعتقالات التي تطالها ليبين و بالملموس لعائلاتنا أن اعتقالنا لم يكن إلا ضريبة لرفض واقع التجويع و البؤس الذي لطالما ناقشناه معهم ، بحيث تأكدت لهم صحة ذلك في العديد من المحطات ( بومالن دادس ، صفرو ، سيدي ايفني ...) و بالإضافة إلى ذلك فهم على علم بأننا نناضل داخل الجامعة و أننا مسؤولون لا يمكن لنا القيام بتلك الجرائم ، و التي اعتبروها من شيم الشرطة التي يعرفها الكل بما هي عصابات منظمة لا مبادئ لها ، هذا من جهة و من جهة أخرى و بحكم الوسط الاجتماعي الذي تنتمي إليه عائلاتنا بما هو وسط اجتماعي فقير تسود فيه كل أنواع التضامن و التعاون ، فقد تم انسجامها بشكل سهل للغاية . إضافة إلى الدعم الذي تلقته من طرف كل المناضلين الشرفاء ، و خاصة رفاقنا في النهج الديمقراطي القاعدي و كل الطلاب المناضلين ، و لا ننسى الدور الذي لعبه كون البعض من أفراد عائلاتنا لم تمضي عن خروجهم من رحم الحركة الطلابية إلا سنوات قليلة و يناضلون إلى جانب الجماهير الشعبية في العديد من الإطارات الجماهيرية . أما فيما يخص مستوى أدائها على طول هذه المرحلة فقد كان في حقيقة الأمر جد متميز رغم القمع الذي واجهها في كل المحطات النضالية التي قامت بها ( يمكن الرجوع إلى التقرير – حركة العائلات : التأسيس ، المعاناة ، المحطات النضالية -)و قدمت و لازالت تقدم العديد من التضحيات الجسام كان أبرزها كسر ساق أم أحد رفاقنا و التي لازالت تعاني مضاعفات ذلك الكسر لحدود الآن ، و اعتقال أحد أفراد عائلاتنا توفيق الشويني و الذي حكم بثمانية أشهر حبسا نافذة و كذا الاعتقال الذي طال أخوات الرفيقة زهرة يوم الخميس 28 ماي أمام محكمة الاستئناف و تم إخلاء سبيلهن بعد ساعات من التعذيب و التنكيل بهن ، فصراحة استطاعت هذه الحركة أن تعيد مسالة الحريات السياسية و النقابية إلى الواجهة ، و بغض النظر عن هذا و ذاك فهي تقدم لنا الكثير من الدعم المعنوي و المادي و نحن داخل المعتقل.
اليوم تحتد التناقضات داخل الصراع الطبقي بالمغرب و على المستوى العالمي خصوصا بعد الأزمة المالية العالمية ، هل يمكن في نظركم أن يساهم المعتقلين السياسيين في هذا الصراع ؟ و كيف ذلك ؟
بالفعل يمكن للمعتقلين السياسيين أن يساهموا في هذا الصراع و بشكل فعال . فالصراع الطبقي الذي تدور رحاه بين معسكر الجماهير الشعبية و التحالف الطبقي المسيطر يتخذ عدة أشكال على مختلف الجبهات ، اقتصاديا و سياسيا و إيديولوجيا . و مساهمتنا في هذا الصراع تنبني بالأساس في الصراع السياسي من خلال النضال على واجهة الحريات السياسية و النقابية و ذلك بالتضامن مع مختلف الحركات الاحتجاجية و تخليد المحطات النضالية لشعبنا الأبي و كافة شعوب العالم التواقة إلى التحرر و الانعتاق بالإضافة إلى خوض المعارك النضالية المتاحة داخل السجن و السعي إلى توحيد نضالات المعتقلين السياسيين و الحركات التضامنية معهم من أجل المزيد من مأزقة النظام القائم و صد هجومه الساخر على مختلف مناحي حياة الجماهير ، أما بالنسبة للمستوى الإيديولوجي فمساهمتنا ترتكز جوهريا في المساهمة إلى جانب كل الشيوعيين في بناء الخط الفكري و السياسي الذي قطعت فيه الحركة الشيوعية ببلادنا أشواط مهمة من خلال طرح الماوية للصراع بحيث أصبحت تشكل الطرف الرئيسي في التناقض داخل الحركة الشيوعية ببلادنا .
لقد حاول النظام و بعض الأطراف نزع هويتكم الإيديولوجية و السياسية ، ماهو تفسيركم لذلك
إن خلفية النظام واضحة كما سبقت الإشارة فهي محاولة إعطاء هذا الملف بعدا آخر غير المحاكمة السياسية ، لذلك سعى جاهدا أن ينزع عنا هويتنا و صفتنا كمعتقلين سياسيين ، أما الأطراف الأخرى فهي إما اتجهت في نفس المسار و إما كانت تحاول خدمة مصالحها الطبقية بضرب هويتنا و بذلك ضرب مضمون حركتنا بما هي حركة ثورية تنسجم و هويتنا الماركسية اللينينية الماوية التعبير السياسي و الإيديولوجي على اندماج الحركة الاشتراكية بالجماهير الشعبية .
بعد وضعكم بسجن بولمهارز قررتم في خطوة جريئة و فريدة اطلاع الرأي العام المحلي و الدولي على مختلف أشكال التعذيب التي تعرضتم لها في مخافر الشرطة ، هل لكم أن توضحوا الهدف من نشر تلك الشهادات ؟
إن الهدف الذي سعينا إليه من خلال إصدار شهادات التعذيب تلك ، كان للتأكيد أن لا شيء تغير في مغرب العهد الجديد المزعوم ، و لضرب كل الترهات التي يروجها النظام القائم حول طي صفحة الماضي ، انتهاء زمن الجمر و الرصاص ، ... و أنه لا جديد يستدعي تغيير آليات النضال الثوري من اجل إحقاق المهام الوطنية الديمقراطية الشعبية و المساهمة في إسقاط الحكم المطلق، كما كانت تلك الشهادات بمثابة ناقوس الخطر الذي نبه الرأي العام المحلي و الدولي إلى الأساليب الفاشية التي يلجأ إليها النظام في تصفية حساباته مع كل المناضلين الشرفاء ، و بالتالي ضرورة تكثيف الجهود مع كافة الشرفاء من أجل إنشاء جبهة للنضال على أرضية الحريات السياسية و النقابية و صد الهجوم الفاشي للنظام القائم على كل مناحي حياة الجماهير الشعبية .