حوار مع المعتقلين السياسيين بمراكش -مجموعة زهرة بودكور-الجزء الرابع
الثلثاء 25 آب (أغسطس) 2009 بقلم voixliberte
من خلال تجربتكم بسجن بولمهارز هل لكم أن تطلعونا على أوضاع السجون المغربية ؟ و ماذا يعني لكم السجن ؟
ارتبط ظهور السجون تاريخيا بظهور جهاز الدولة بعد انقسام المجتمع إلى طبقات . أي بعد الانتقال من مجتمع المشاعية البدائية إلى المجتمع العبودي ، و السجن كملحقة من ملحقات الدولة ، شأنه في ذلك شأن الجهاز القمعي ( الجيش ، البوليس ...) تتمثل مهمته في حماية مصالح الطبقات المسيطرة ، و قد اختلفت أوضاع السجون تاريخيا حسب مصالح و حاجيات هذه الأخيرة . و السجون ببلادنا ، تعيش أوضاعا قروسطية من ناحية التعامل مع السجناء و ظروف الاعتقال الكارثية التي نبهت إليها مجموعة من التقارير الوطنية و الدولية ما من مرة ، و هي على اختلاف تسمياتها ( السجون ) و أهدافها من حيث هي فلاحية أو احتياطية أو مركزية . تبقى في مجموعها رمزا للاضطهاد و الحط من الكرامة و التنكيل ، و حتى لا نبدو بأننا نصدر أحكام قيمة ، سنتناول وضعية سجن بولمهارز كنموذج من خلال جملة من العناصر الأساسية المكونة له ، معتمدين على تجربة المعاينة ، على اعتبار وجودنا به في حالة اعتقال ، و نبدأ بالأوضاع داخل الغرف ( الإيواء ) : و تتميز بكونها مأساوية ، فالاكتظاظ هو السمة الطاغية . إذ أن الحصول على مكان للنوم ، يتطلب أزيد من ألفي درهم أحيانا تتقاسمها اللوبيات المسيطرة من داخل السجن المكونة من الوسطاء و الإدارة ، و من ليست له طاقة للدفع فالممرات و المراحيض ملاذه ، الغرف مملوءة عن آخرها ، مما يجعل عملية التنقل داخلها مستحيلة ، كما أن التهوية شبه منعدمة و البناء متقادم .
الصحة : إذا كنا قد تحدثنا عن الاكتظاظ في الغرف فمن الطبيعي أن ينجم عن ذلك تدني مستوى النظافة و كذا انتشار القمل و غيره من القرديات و تفشي الأمراض الجلدية و المعدية . و ما يزيد من تفاقم هذه الأمراض هو الافتقار إلى تغطية صحية كافية ، فالمصحة تفتح أبوابها نصف يوم فقط من أيام الأسبوع لكل حي ( الحي يضم أزيد من 600 سجين ) و الخلاصة واضحة المرض رغبة ذاتية “إلى بغيتي تمرض مرض فنهارك” . بالإضافة إلى عدم عزل السجناء المرضى عن غيرهم ، و انعدام المتابعة الصحية لهم ، ففي حي الأحداث مثلا لا يمكن أن تعاين سجينا دون أن تلاحظ آثار “جربة” على جلده ، و الخطورة تكبر كلما كبرت خطورة المرض الذي يعاني منه السجين و سرعة انتشاره ، ففي غياب توعية حقيقية للسجناء بخطورة “السيدا” مثلا يكون الاحتفاظ بالمصابين به ضمن الغرف العامة أمرا فيه مجازفة بحياة السجناء ، و هذا ما نلاحظه في سجن بولمهارز ، فالعديد من السجناء الذين يعانون من المرض منتشرون بالغرف ، مع العلم بان مجموعة من الممارسات التي قطع معها الإنسان كالاستعمال المشترك لأدوات الحلاقة و النظافة لازالت متفشية بالوسط السجني . و بالنسبة للسجناء الذين يلتحقون بالمصحة فليسوا بأحسن حال من غيرهم ، فالإهمال يطالهم في غياب ممرض مداوم يسهر على حالتهم الصحية . و في اغلب الأحيان يكون الموت مصيرهم و منقذهم من رحلة عذاب طويلة . و ذلك ما تؤكده حالات الوفيات التي تعدت 3 حالات سنة 2008 بمصحة السجن . و رغم هذا العجز الكبير الذي يعرفه مستوى التغطية الصحية بالسجن و المرتبط أساسا بانعدام طاقم طبي كافي و الافتقار إلى الأجهزة الطبية و الأدوية ،فان الإحالات إلى مستشفيات خارج المؤسسة لا تكون إلا نادرا اغلبها يتم بالوساطة و المحسوبية و لا أدل على ذلك من حالة الرفيقة زهرة بود كور بحي النساء ، التي تعاني من آلام شديدة على مستوى البطن مصحوبة بإغماءات كرضوض جانبية عن التعذيب الذي تلقته بمخفر جامع الفناء و لم تحظى لحد الآن بحقها في العلاج و التطبيب و في كل مرة يكتفي الممرض بمنحها بعض المسكنات .
التغذية : بالنسبة للتغذية فالتمويل أغلبه يكون خارجيا أي أن العائلات هي من يتحمل عبء تغذية أبنائها طالما أن الوجبات الممنوحة غير صالحة للأكل في أغلبها نظرا لانعدام شرط النظافة فيها و عدم توازنها . فهي لا تخرج عن القطاني و المعجنات و هذا ما يجعل النظام الغذائي بالسجن – سميناه بذلك تجاوزا – قاسيا و لا يمكن أن يلحق السجين منه في حالة المداومة عليه سوى الأذى .
الزيارة : نظام الزيارة لا يسمح إلا بزيارة واحدة في الأسبوع لثلاثة أشخاص من العائلة لمدة ربع ساعة أو أقل و في يوم محدد ، و بحكم انتمائنا نحن مجموعة زهرة بود كور إلى مناطق بعيدة عن مراكش ( طانطان ، زاكورة ، قلعة السراغنة ، تارودانت ، ورزازات ) فإن عائلاتنا تتكبد عناء السفر الطويل الذي تحسب له ألف حساب ، بعد وصولها إلى باب السجن تضطر إلى المكوث لساعات طويلة في طوابير عرضة للشمس الحارة أو المطر – حسب الظروف المناخية – لتقضي ربع ساعة مع فلذات أكبادها ، هذا إن حالفها الحظ في الحضور بالوقت المحدد و إن لم يكن حليفها ، فعليها أن تعود أدراجها و تنتظر الأسبوع المقبل .
التعليم : من منا لا يتنامى إلى سمعه زعيق القنوات الدعائية للنظام القائم و حديثها عن جهود المؤسسات السجنية في نشر العلم و النهوض بالمستوى الثقافي للسجناء ، كلام لا يصدقه إلا الحمقى ، إذا كان السجن يفتقد لأماكن إيواء خاصة بالطلبة و كانت الغرف مملوءة عن آخرها فكيف للسجين أن يتمدرس وسط كل هذا ، و حتى إذا كانت لطالب العلم عزيمة أقوى من الفولاذ فلاشك بأنها لا محالة ستنتصر أمام العراقيل الجمة التي يلقاها و التي نكتوي بنارها نحن مجموعة زهرة بشكل خاص ، فطلباتنا التي تهم التسجيل بالماستر بالنسبة للمجازين منا لم تلقى جوابا من طرف إدارة الكلية ، و طلبة الآداب محرومون من اجتياز الدورة الاستدراكية و حال طلبة كلية الحقوق ليس أحسن حالا . فالعميد مصر على طرد رفاقنا عن طريق التلاعب بالنتائج ، باعتبارهم غائبين في مواد اجتازوا امتحاناتها و وقعوا على محاضرها بالاشتراك مع الأساتذة في السجلات ، هذه بكل بساطة هي الجهود الحقيقية التي تضطلع بها مؤسسات النظام القائم و التي تصب جميعها في اتجاه حرمان أبناء الشعب المغربي من التعليم .
المخدرات : السجن في المغرب ليس الحد الفاصل بين السجين و الإدمان ، السجن تكريس سافر لظاهرة الإدمان هاته ، و ذلك عائد إلى انتشار مختلف أنواع المخدرات بالسجن بأثمان في متناول الجميع ، و هي تدر أموال طائلة على مروجيها على اعتبار أن أغلب السجناء مدمنون ، فسجن بولمهارز يستهلك يوميا أكثر من خمس كيلوغرامات من الحشيش ، و هي تلج السجن بطرق مختلفة لكن أغلبها يلج بإيعاز من الإدارة لتستعين بها على ضبط الأوضاع داخل السجن . اغلب المستهلكين هم الأحداث و الأداء يكون بعلب السجائر أو المواد الغذائية أو النقود إذا توفرت . و بالإضافة إلى انتشار المخدرات نجد أيضا ارتفاع حالات الاغتصاب في صفوف الأحداث و الاعتداءات الجسدية ( الضرب ، الجرح ...).
الرشوة : يعتبرها موظفوا الإدارة مكملة لرواتبهم الهزيلة ، لذلك فهم لا يترددون في مطالبة السجناء بها مقابل خدمة يؤدونها لهم هي من صميم واجباتهم ، فعيادة الطبيب و تسليم الأدوية و الإشعار بالزيارة و الحصول على مكان للنوم ، كل ذلك لابد له من مقابل ، و قيمة السجين بالنسبة للموظفين تحدد بمدى سخاء جيبه . هذه إذن حالة و وضعية سجن بولمهارز نموذج التسيب و الفوضى و الإدمان و الاضطهاد و الرشوة ، وضعية لابد أن تكون لها نتائج عديدة يمكن أن نرصد في طليعتها الاحتجاج كرد فعل للسجين و الاحتجاج له طرق و أشكال تختلف باختلاف درجة وعي السجين ، حيث شهد سجن بولمهارز إضرابات عن الطعام كان لنا نحن “مجموعة زهرة” الحظ الوفير منها ، و قد دام أحدها أزيد من 46 يوما ، كما شاهد أشكالا غريبة في الاحتجاج تنم عن درجة البؤس و المعاناة التي يعيشها السجناء ، فطعن الذات ضروري من أجل تحقيق مطلب بسيط من داخل السجن طالما أن إشعارات الإضراب عن الطعام لا تلقى صدى لدى الإدارة . في السجن الكل يحتج على طريقته ، فهذا يستحم بالحساء المخصص للسجناء و ذلك يتمرغ في سلة المهملات و آخر يبتر عضوه التناسلي و غيره يبحث عن حبل لينتحر به . و إدارة السجن لا تجيد سوى سياسة الهروب إلى الأمام عن طريق التنصل من مسؤوليتها و ربط كافة هذه الأشكال بالأحكام التي يتلقاها السجين من المحاكم .
و كخلاصة عامة يمكن أن نستشفها مما سبق فالسجون بالمغرب ليست إلا مؤسسات لإنتاج و إعادة إنتاج الإجرام ،و لا غرو في ذلك ما دامت لا تكفل للسجين ابسط شروط العيش الكريم و الكرامة ، و مادامت مرتبطة بجهاز الدولة الطبقي بما هي عنف منظم يزكيه القانون لحفظ مصالح طبقة اجتماعية على حساب أخرى ، و لا يسعنا في الختام إلا أن نقول كما قالت الرفيقة الشهيدة سعيدة المنبهي نحن هنا كي لا يكون السجن غذا ، السجن بالنسبة لنا هو ضريبة اختياراتنا ، و يطيب لنا أن ننال شرف الاعتقال دفاعا عن مصالح أبناء الشعب الكدح ، و يبقى النضال سرمديا بالنسبة لنا و غير مقرون بزمان أو مكان .