ورززات، كل من كان يذكر هذه المدينة الواقع بجنوب المغرب و إلا و يستحضر معها الأفلام الهوليودية الضخمة الإنتاج، فقد أصبحت منذ مدة ليست بالقصيرة مركزا هاما للإنتاج السينمائي العالمي، و قد كان لذلك تأثير قوي على ساكن المنطقة خصوصا من الناحية الإيديولوجية. لكن اليوم، لم يصبح اسم ورززات مقرونا بالسينما رغم الأموال الباهضة التي تنفقها البرجوازية للدعاية للمدينة، بل لقد أصبح اسم ورززات مقرونا بأروع بطولات الطبقة العاملة المغربية، لقد أصبح اسم ورززات مقرونا بعمال إيمني و بنضالاتهم البطولية. لم تمر سوى بضعة أشهر على بداية التطبيق العملي لبنود مدونة الشغل الرجعية حتى بدأت تتعالى أصوات العمال و الكادحين عاليا من جراء حجم و شدة الاستغلال و الاضطهاد. لقد أصبحت الطبقة العاملة المغربية في فوهة البركان و هو يقذف بحممه.
“خمسون مليار درهم كانت هي ميزانية أحد الأفلام السينمائية التي تم تصويرها بمدينة ورززات”. إن ذلك المبلغ كان لوحده كافيا لأن يسيل لعاب البرجوازية الكمبرادورية في بلادنا، فهي كما يعرفها المغاربة جيدا، و كما يعرفها كل العالم لا تترد في بيع مؤخرتها إن كان ذلك يدر عليها هكذا أرباح، و لذلك قررت الدخول في التجربة و الاستثمار في السينما. و بدأت تبحث عن السيناريو و عن المخرج و الممثلين. لكن تكلفة الممثلين و كتاب السيناريو و المخرجين القادمين إلى ورززات، مدينة “السينما العالمية” كانت باهظة للغاية، لذلك قررت أن تكتب السيناريو بنفسها و أن تقوم هي بالإخراج و لما لا حتى بالتمثيل حتى ترفع من حجم أرباحها. و بدأ البحث عن السيناريو و عن القصة. هل قصة حب، لكن الحب عند برجوازيتنا “المحترمة” مرافق للجنس، فهي لا تعرف الحب إلا من خلال الجنس و الخدعة. و بما أنها برجوازية “محترمة”، بل و مسلمة في بلد إسلامي، فإن هذا النوع من الأفلام محظور في القاعات العلنية، خصوصا أن الممثلين سوف يكون جلهم مغاربة. و إذن؟ هل تكون القصة، قصة “إسلامية”؟ أبدا ف“جارات أبي موسى” لم تدر على صاحبها سوى دراهم معدودة. هل تكتب قصة حول الماضي و حول الاعتقال؟ لا، لا لم تتردد في رفض مثل هذه القصص لأنها خسرت الملايين في الدعاية لربيعة و الآخرون... ما العمل إذن؟ بعد تفكير عميق و بعد أن لجأت إلى الخبراء في الميدان، استقر رأيها على ضرورة البحث أو كتابة قصة بوليسية. فمثل هذه القصص لها تجربة طويلة في كتابتها و إخراجها، لدرجة أن الأمريكان قد أعطوا لأحد جلاديها/مخرجيها صفة الخبير الدولي في محاربة الإرهاب. طبعا لقد سرت برجوازيت“نا” من هذه الالتفاتة، فهي تعرف أن لها رصيدا هائلا و تجربة طويلة و غنية في إنتاج مثل هذه القصص، بل و لها خبرات عالمية في إخراجها للمسرح و السينما أيضا. و ها هي الآن، قد حددت نوع القصة، و من أين إذن تأتي بالسيناريو، هل من “الداخلة” و بحارتها، أم من جرادة و عمالها، أو من املشيل و فلاحيها، أم من مراكش و طلابها... و هي لازالت تفكر في الأمر، بدأت صيحات عمال إيمني تعلو لتملئ بآهاتها و بقوتها كل جبال ورززات. آنذاك استقر قرارها على عمال المناجم، هناك سوف يتشكل السيناريو و هناك سوف يكون التمثيل، فهو على كل حال سوف يوفر لها مصاريف لتنقل العديد من الممثلين إلى ورززات. و بدأت توزع الأدوار حسب أهمية البطولة...
- هي طبعا التي سوف تأخذ دور البطولة، فهي لا ترضى بأقل من ذلك مجسدة في إدارة الشركة.
- و سوف يتقاسم معها كلاب حراسة الدولة هذا الدور: الجماعة و القيادة و ...
- السيناريو الذي كتبته يفترض وجود النخاسين، فمن سيلعب هذا الدور؟ من يرضى بهكذا دور؟ طبعا لم تفكر طويلا لإيجاد من يرغب و يطلب لعب هذا الدور، إنه طبعا المكتب المحلي للاتحاد المغربي للشغل، و لم يرضى المكتب الجهوي أيضا إلا أن يكون مشاركا فيه، فهو حاج و له تجربة الحجاج في هذا الميدان. و سوف يأخذ طبعا العمال دورهم كعمال و أبنائهم كذلك، و لم يبقى سوى دور مكسري الإضرابات و سوف يتقاسمه في هذا السيناريو كل من الاتحاد المحلي ل UMT و جماعة من الحثالة... و هكذا لم يبقى سوى الإخراج. فانطلقت برجوازيت“نا” في تنفيذ آخر خطوات مشروعها المستمر أي إخراج القصة. و كــانت الظروف ملائمة لهذا السيناريو، أو لنقل إن السيناريو قد جاء على ما تم تحقيقه في الواقع. فقد سبق و أن أجهزت إدارة الشركة على كل مكتسبات العمال، و لأنهم عمال فلم يكن لهم من خيار سوى الركوع أو المقاومة، و لأنهم بروليتاريون حقيقيون فقد اختاروا المقاومة التي وصلت إلى الاعتصام المفتوح، لقد أدهش العمال المخرجين البرجوازيين بإبداعاتهم في فن الإخراج و تعديل بل و قلب السيناريوهات. لقد اتضح للبرجوازية جليا بأن العمال لهم موهبة، بل و تجربة طويلة جدا منذ 1928 في إخراج أفلام المقاومة و النضال و إبداع الأشكال الكفيلة في بت الرعب في صفوف أعدائهم و الثقة في صفوفهم و صفوف حلفائهم. الشيء الذي جعل إخراج الفيلم يمتد لأزيد من 18 شهرا.
الإدارة تعجز عن أداء دورها بالشكل اللازم، و هذا متوقع، لذلك كان لابد للعنيكري من التدخل، لكن الفشل أصاب محاولاته الأولى كلها و هنا يظهر الحاج البهجة بجلبابه الأبيض و بصوت ثعلبي يوجه إلى العمال كلماته التضامنية!! أيها العمال، إن الشركة شركتنا جميعا إدارة و عمال، فلنحمي شركتنا من الإفلاس! أيها العمال لم يبقى في المنجم سوى التكريطة، يجب أن نكون واقعيين فلنساعد أختنا الشركة في تكريط المنجم... ضحك بعض العمال و تقيأ الجمهور من هذه الخسة النادرة التي لا يتوفر عليها و الحق يقال سوى الحاج و الحجاج أمثاله. العمال سوف يفهمون كلمات الحجاج و يقررون أن يغيروا قبلتهم من كعبة “الحاج” إلى كعبة “الحاجة”. و يفسدون على الحاج حجه إليهم، و بالتالي يضيعون عليه مقابل دوره في الفيلم. الإدارة ترتبك، لم يبقى لها من حل سوى إدخال العنيكري في قلب بطولة الفيلم، رغم أنه كان يفضل اللعب خلف الستار نظرا لما رآه من صمود لدى العمال. لكنهما سوف ينجحان مؤقتا في ذلك حين يملئون ثلاث شاحنات بالقمامة لتكسر إضراب و اعتصام العمال، القمامة تصل إلى ميدان الإخراج و تخرج بعاهات و آهات. لكن الإدارة لم تقتصر على القمامات البعيدة، بل سوف تستخدم حتى الخنازير، فأتت بواحد منهم رغم مرضه و علفته في فندق خمس نجوم ليكون خنزير فداء. و ذلك ما كان. فبمجرد أن جرح حتى ذهبوا به إلى الطبيب الذي رماه في سلة المهملات حتى يكتمل السيناريو كما أرادته الإدارة. و بعدها يتدخل بوزبع و العنيكري لاصطياد الأسود و رميهم خلف القضبان لمدة 60 سنة. لكن لا الأسود روضت، و لا العمال تخلوا عن أسودهم. فأخذت الضباع في التجمع منتظرة فرصة الانقضاض على جيفة ما. و حتى الأرانب تظاهرت و تجمعت كل كائنات المدينة و زوارها نهضوا من أجل الأسود، لكن كانت لكل منهم مطامعه و آماله. و بعد ذلك سوف يعدل العمال السيناريو و يخرجوا أسودهم، لكنهم وجدوا أوراق الأشجار اصفرت و مياه الوديان تعكرت. فأصبح لزاما عليهم تصفية المياه و سقي الأشجار... أما الضباع فعادت خائبة إلى حجورها، بينما الأرانب و الخرفان لم تفهم بعد ضرورة القضاء على الذئب حتى تنام مستريحة. هكذا استطاع العمال إفشال فيلم برجوازيت“نا” في دور العرض كله، و خسرت ملايين باهضة، لكن أهم خساراتها كان في فيلمها الرئيسي فيلم “العهد الجديد” و “طي صفحة الماضي”.